أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
188
العقد الفريد
الرشيد وسهل : دخل سهل بن هارون على الرشيد وهو يضاحك ابنه المأمون ، فقال سهل : اللهم زده من الخيرات ، وابسط له من البركات ، حتى يكون بكل يوم من أيامه موفيا على أمسه ، مقصرا عن غده ! فقال له الرشيد : يا سهل ، من روى من الشعر أفصحه ومن الحديث أوضحه ، إذا رام أن يقول لم يعجزه ! قال : يا أمير المؤمنين ، ما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى . قال : بلى سبقك أعشى همدان ، حيث يقول : رأيتك أمس خير بني معدّ * وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الضّعف خيرا * كذاك تزيد سادة عبد شمس وقد يكون مثل هذا وما أشبهه عن موافقة . وقد سئل الأصمعي عن الشاعرين يتفقان في المعنى الواحد ولم يسمع أحدهما قول صاحبه فقال : عقول الرجال توافت « 1 » على ألسنتها . اختلاف الشعراء في المعنى الواحد وقد تختلف الشعراء في المعنى الواحد ، وكل واحد منهم محسن في مذهبه جار في توجيهه ، وإن كان بعضه أحسن من بعض . ألا ترى أن الشماخ بن ضرار يقول في ناقته : إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بدم الوتين « 2 » وقال الحسن بن هانئ في ضد هذا المعنى ما هو أحسن منه في محمد الأمين : فإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا * فظهورهنّ على الرجال حرام وقال أيضا :
--> ( 1 ) توافى القوم : تنامّوا . ( 2 ) عرابة : هو ابن أوس بن قيظى الحارثي الأنصاري . واشرقي : غصيّ . والوتين : عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه .